الثلاثاء، 2 أبريل 2013

فلم تونسي قصير

 أمام المسرح البلدي إفترشت الجماهير المدارج المطلّة على شارع الحبيب بورقيبة ، قلب العاصمة النّابض ،الذّي تحدّه من الجانب الشّرقي أسوار " المدينة العربي " ،حيث يقف غير بعيد عنها تمثال للمؤرّخ إبن خلدون في ساحة الإستقلال تلتفّ حوله الأسلاك الشّائكة وتشكيلة من العربات العسكريّة المختلفة ، ينظر التمثال بجمود إلى العلم الفرنسي الذّي يرفرف عاليا فوق السّفارة بعد أن تحوّلت إلى قلعة من قلاع العصور الوسطى ،سُوّرت من جميع جوانبها بالأسلاك الشّائكة ، أمن وشرطة في جميع زوايها هذا دون كاميرات المراقية وأجهزة الإنذار المبثوثة في جميع حوائطها .
على يسار النّصب كان هناك كهل رثّ الحال دأب على إفتراش كراتين تحت حائط الكاتدرائيّة  الرّخامي أيّاما بعد الثّورة ، وأستقرّ به المقام هناك في قرّها وحرّها، ينتظر من يرمي له بقطعة نقديّة أو فضلة خبز يلتهمها بتؤودة متمتما بكلمات غير مفهومة .
على الجانب الآخر أشغال متواصلة صباحا مساء لمنشأة بنكيّة ضخمة تحتلّ مساحة كبيرة من الشّارع الكبير.
في أقصى الشّارع إنتصبت "المنقالة"، هي رمز من رموز النّظام السّابق نسجت حولها قصص وأساطير حول كلفتها الخياليّة وأنّها صنعت في الأرجنتين ، وقد عوّضت تمثالا للزّعيم بورقيبة ممتطيا صهوة جواد ، ويقال أنّ هناك مشروع لتعويض السّاعة الضّخمة بمجسّم آخر قد يكشف عنه قريبا .
تواجه المنقالة بناية بشعة حوائطها رماديّة داكنة تنتصب كالوحش في آخر الشّارع ، وهي لمن لا يعرفها وزارة الدّاخليّة .
على غير العادة وقف رجال الأمن في وسط الشّارع في مواجهة المسرح متحلّقين حول حافلة صفراء ، تحسّبا لتحرّكات أو إحتجاجات تنطلق في أيّة لحظة دون سابق إعلام أو تحذير .
فجأة دوّت صرخات شابّ من أمام المدارج ، ضمّخ نفسه بالدليون السّريع الإلتهاب رافعا ولاّعة :
      " أنظروا ،..أنظروا، لقد تعبت ،...لقد تعبت من الخبزة الكلبة سوف أحرق نفسي، ..."
مع كلمات أخرى مبهمة قدح الولاّعة سريعا ليضحي كرة من اللّهب .
   بهت الجميع، الجالسون على المدارج ، المارّة الجالسون في المقاهي القريبة المقابلة ، رجال البوليس ،...هرع أحد منهم إلى قارورة الإطفاء الموجودة بحافلة الأمن ورشّ بها الشّاب لكن ّ النّار كانت قد إلتهمت كلّ جسمه تقريبا ، بعد دقائق طويلة قدمت سيّارة الحماية المدنيّة تلك التّي مبناها يقع خلف وزارة الدّاخليّة.
في الغد توجّهت مسيرة إلى مكان الحريق ليعتلي أفرادها مدرج المسرح وبعد أن قرؤوا الفاتحة على روح الشهيد زميلهم النّصاب ،ورفعوا شعارات معادية للنظام كان مطلبهم حول تمكينهم من فضاء بقرطاج بيرصا ليزاولوا فيه نشاطهم دون تضييقات ومشاكل .